القرطبي
316
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
بأنه سيبعث إليهم الرسل ، فشهد بعضهم على بعض . قال أبي بن كعب : وأشهد عليهم السماوات السبع ، فليس من أحد يولد إلى يوم القيامة إلا وقد أخذ عليه العهد . واختلف في الموضع الذي أخذ فيه الميثاق حين أخرجوا على أربعة أقوال ، فقال ابن عباس : ببطن نعمان ، واد إلى جنب عرفة . و ( روي ( 1 ) ) عنه أن ذلك برهبا - أرض بالهند - الذي هبط فيه آدم عليه السلام . وقال يحيى بن سلام قال ابن عباس في هذه الآية : أهبط الله آدم بالهند ، ثم مسح على ظهره فأخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ، ثم قال : " ألست بربكم قالوا بلى شهدنا " قال يحيى قال الحسن : ثم أعادهم في صلب آدم عليه السلام . وقال الكلبي : بين مكة والطائف . وقال السدي : في السماء الدنيا حين أهبط من الجنة إليها مسح على ظهره فأخرج من صفحة ظهره اليمنى ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ ، فقال لهم ادخلوا الجنة برحمتي . وأخرج من صفحة ظهره اليسرى ذرية سوداء وقال لهم ادخلوا النار ولا أبالي . قال ابن جريج : خرجت كل نفس مخلوقة للجنة بيضاء ، وكل نفس مخلوقة للنار سوداء . الثانية - قال ابن العربي ( رحمه الله ( 2 ) ) : " فإن قيل فكيف يجوز أن يعذب الخلق وهم لم يذنبوا ، أو يعاقبهم على ما أراده منهم وكتبه عليهم وساقهم إليه ، قلنا : ومن أين يمتنع ذلك ، أعقلا أم شرعا ؟ فإن قيل : لأن الرحيم الحكيم منا لا يجوز أن يفعل ذلك . قلنا : لأن فوقه آمرا يأمره وناهيا ينهاه ، وربنا تعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون ولا يجوز أن يقاس الخلق بالخالق ، ولا تحمل أفعال العباد على أفعال الإله ، وبالحقيقة الأفعال كلها لله جل جلاله ، والخلق بأجمعهم له ، صرفهم كيف شاء ، وحكم بينهم ( 3 ) بما أراد ، وهذا الذي يجده الآدمي إنما تبعث عليه رقة الجبلة وشفقة الجنسية وحب الثناء والمدح ، لما يتوقع فذلك من الانتفاع ، والباري تعالى متقدس عن ذلك كله ، فلا يجوز أن يعتبر به " . واختلف في هذه الآية ، هل هي خاصة أو عامة . فقيل : الآية خاصة ، لأنه تعالى قال : " من بني آدم من ظهورهم " فخرج من هذا ( الحديث ( 4 ) ) من كان من ولد آدم لصلبه . وقال جل وعز : ( أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل ) فخرج منها كل من لم يكن له آباء مشركون .
--> ( 1 ) من ك . ( 2 ) من ع . ( 3 ) في ى : وحكيم فيهم كما أراد . ( 4 ) من ج .